مناظرة بين أبي سعيد السيرافي و متى بن يو - nasim.com | Bloguez.com - Bloguez.com
 

 مناظرة بين أبي سعيد السيرافي و متى بن يونس(1)

6/11/2008

...ثم إني أيها الشيخ - أحياك الله لأهل العلم وأحيى بك طالبيه - ذكرت للوزير مناظرةً جرت في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بين أبي سعيد وأبي بشر متى واختصرتها؛ فقال لي: اكتب هذه المناظرة على التمام فإن شيئاً يجري في ذلك المجلس النبيه بين هذين الشيخين بحضرة أولئك الأعلام ينبغي أن يغتنم سماعه، وتوعى فوائده، ولا يتهاون بشيء منه. فكتبت: حدثني أبو سعيد بلمع من هذه القصة. فأما علي بن عيسى الشيخ الصالح فإنه رواها مشروحة.

 

      لما انعقد المجلس سنة ست وعشرين وثلاثمائة، قال الوزير ابن الفرات للجماعة - وفيهم الخالدي وابن الأخشاد والكتبي وابن أبي بشر وابن رباح وابن كعب وأبو عمرو قدامة بن جعفر والزهري وعلي بن عيسى الجراح وابن فراس وابن رشيد وابن عبد العززي الهاشمي وابن يحيى العلوي ورسول ابن طغج من مصر والمرزباني صاحب آل سامان -: ألا ينتدب منكم إنسان لمناظرة متى في حديث المنطق، فإنه يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل والصدق من الكذب والخير من الشر والحجة من الشبهة والشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق وملكناه من القيام به، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده، فأطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه.

      فأحجم القوم وأطرقوا قال ابن الفرات: والله إن فيكم لمن يفي بكلامه ومناظرته وكسر ما يذهب إليه وإني لأعدكم في العلم بحاراً، وللدين وأهله أنصاراً، وللحق وطلابه مناراً؛ فما هذا الترامز والتغامز اللذان تجلون عنهما? فرفع أبو سعيد السيرافي في رأسه فقال: اعذر أيها الوزير، فإن العلم المصون في الصدر غير العلم المعروض في هذا المجلس على الأسماع المصيخة والعيون المحدقة والعقول الحادة والألباب الناقدة؛ لأن هذا يستصحب الهيبة، والهيبة مكسرة، ويجتلب الحياء، والحياء مغلبة؛ وليس البراز في معركة خاصة كالمصاع في بقعة عامة.
فقال ابن الفرات: أنت لها يا أبا سعيد، فاعتذارك عن غيرك يوجب عليك الانتصار لنفسك، والانتصار في نفسك راجع إلى الجماعة بفضلك.
     فقال أبو سعيد: مخالفة الوزير فيما رسمه هجنة، والاحتجاز عن رأيه إخلاد إلى التقصير؛ ونعوذ بالله من زلة القدم، وإياه نسأل حسن المعونة في الحرب والسلم؛ ثم واجه متى فقال: حدثني عن المنطق ما تعني به? فإنا إذا فهمنا مرادك فيه كان كلامنا معك في قبول صوابه ورد خطئه على سننٍ مرضيٍ وطريقة معروفة.
      قال متى: أعني به أنه آلة من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح.
فقال أبو سعيد: أخطأت، لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف إذا كنا نتكلم بالعربية؛ وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعق إذا كنا نبحث بالعقل؛ وهبك عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن، فمن لك بمعرفة الموزون أيما هو حديد أو ذهب أو شبه أو رصاص? فأراك بعد معرفة الوزن فقيراً إلى معرفة جوهر الموزون وإلى معرفة قيمته وسائر صفاته التي يطول عدها؛ فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك، وفي تحقيقه كان اجتهادك، إلا نفعاً يسيراً من وجه واحد، وبقيت عليك وجوه، فأنت كما قال الأول:

حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء

       وبعد، فقد ذهب عليك شيء هاهنا، لي كل ما في الدنيا يوزن، بل فيها ما يوزن، وفيها ما يكال، وفيها ما يذرع، وفيها ما يمسح وفيها ما يحرز وهذا وإن كان هكذا في الأجسام المرئية، فإنه على ذلك أيضاً في المعقولات المقررة؛ والإحساسات ظلال العقول تحكيها بالتقريب والتبعيد، مع الشبه المحفوظ والمماثلة الظاهرة. ودع هذا؛ إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها، فمن أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب أن ينظروا فيه ويتخذوه قاضياً وحكماً لهم وعليهم، ما شهد لهم به قبلوه، وما أنكره رفضوه? قال متى: إنما لزم ذلك لأن المنطق بحث عن الأغراض المعقولة والمعاني المدركة، وتصفح للخواطر السانحة والسوانح الهاجسة؛ والناس في المعقولات سواء ألا ترى أن أربعةً وأربعة ثمانية سواءٌ عند جميع الأمم، وكذلك ما أشبهه.

       قال أبو سعيد: لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها المختلفة وطرائقها المتباينة إلى هذه المرتبة البينة في أربعة وأربعة وأنهما ثمانية، زال الاختلاف وحضر الاتفاق، ولكن ليس الأمر هكذا، ولقد موهت بهذا المثال، ولكم عادة بمثل هذا التمويه؛ ولكن مع هذا أيضاً إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف، أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة? قال: نعم. قال: أخطأت، قل في هذا الموضع: بلى. قال: بلى، أنا أقلدك في مثل هذا. قال: أنت إذاً لست تدعونا إلى علم المنطق، إنما تدعونا إلى تعلم اللغة اليونانية وأنت لا تعرف لغة يونان، فكيف صرت تدعونا إلى لغة لا تفي بها? وقد عفت منذ زمان طويل، وباد أهلها، وانقرض القوم الذين كانوا يتفاوضون بها، ويتفاهمون أغراضهم بتصاريفها؛ على أنك تنقل من السريانية، فما تقول في معان متحولة بالنقل من لغة يونان إلى لغةٍ أخرى سريانية، ثم من هذه إلى أخرى عربية? قال متى: يونان وإن بادت مع لغتها، فإن الترجمة حفظت الأغراض وأدت المعاني، وأخلصتالحقائق.
     قال أبو سعيد: إذا سلمنا لك أن الترجمة صدقت وما كذبت، وقومت وما حرفت، ووزنت وما جزفت، وأنها ما التاثت ولا حافت، ولا نقصت ولا زادت، ولا قدمت ولا أخرت، ولا أخلت بمعنى الخاص والعام ولا بأخص الخاص ولا بأعم العام - وإن كان هذا لا يكون، وليس هو في طبائع اللغات ولا في مقادير المعاني - فكأنك تقول: لا حجة إلا عقول يونان، ولا برهان إلا ما وضعوه، ولا حقيقة إلا ما أبرزوه.
      قال متى: لا، ولكنهم من بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة والبحث عن ظاهر هذا العالم وباطنه، وعن كل ما يتصل به وينفصل عنه، وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر وانتشر ما انتشر وفشا ما فشا ونشأ ما نشأ من أنواع العلم وأصناف الصنائع، ولم نجد هذا لغيرهم.
قال أبو سعيد: أخطأت وتعصبت وملت مع الهوى، فإن علم العالم مبثوث في العالم بين جميع من في العالم، ولهذا قال القائل:

العلم في العالم مبثوث

 

ونحوه العاقل محثوث

        وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع من على جدد الأرض؛ ولهذا غلب علمٌ في مكان دون علم، وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة؛ وهذا واضح والزيادة عليه مشغلة؛ ومع هذا فإنما كان يصح قولك وتسلم دعواك لو كانت يونان معروفةً من بين جميع الأمم بالعصمة الغالبة، والفطنة الظاهرة، والبنية المخالفة، وأنهم لو أرادوا أن يخطئوا لما قدروا، ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا وأن السكينة نزلت عليهم، والحق تكفل بهم، والخطأ تبرأ منهم؛ والفضائل لصقت بأصولهم وفروعهم، والرذائل بعدت من جواهرهم وعروقهم؛ وهذا جهلٌ ممن يظنه بهم، وعنادٌ ممن يدعيه لهم؛ بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء ويخطئون في أشياء، ويعلمون أشياء ويجهلون أشياء، ويصدقون في أمور ويكذبون في أمور، ويحسنون في أحوال ويسيئون في أحوال؛ وليس واضع المنطق يونان بأسرها، إنما هو رجل منهم، وقد أخذ عمن قبله كما أخذ عنه من بعده؛ وليس هو حجةً على هذا الخلق الكثير والجم الغفير، وله مخالفون منهم ومن غيرهم؛ ومع هذا فالاختلاف في الرأي والنظر والبحث والمسألة والجواب سنخٌوطبيعة، فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيء يرفع به هذا الخلاف أو يحلحله أو يؤثر فيه? هيهات هذا محال، ولقد بقي العالم بعد منطقه على ما كان عليه قبل منطقه؛ فامسح وجهك بالسلوة عن شيء لا يستطاع لأنه منعقد بالفطرة والطباع؛ وأنت لو فرغت بالك وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي تحاورنا بها، وتجارينا فيها، وتدارس أصحابك بمفهوم أهلها وتشرح كتب يونان بعادة أصحابها، لعلمت أنك غني عن معاني يونان كما أنك غني عن لغة يونان.

    وها هنا مسألة، تقول: إن الناس عقولهم مختلفة، وأنصباؤهم منها متفاوتة. قال: نعم. قال: وهذا الاختلاف والتفاوت بالطبيعة أو بالاكتساب? قال: بالطبيعة. قال: فكيف يجوز أن يكون هاهنا شيء يرتفع به هذا الاختلاف الطبيعي والتفاوت الأصلي? قال متى: هذا قد مر في جملة كلامك آنفاً.    

     قال أبو سعيد: فهل وصته بجواب قاطع وبيانٍ ناصع? ودع هذا؛ أسألك عن حرف واحد، وهو دائر في كلام العرب، ومعانيه متميزة عند أهل العقل؛ فاستخرج أنت معانيه من ناحية منطق أرسطاطاليس الذي تدل به وتباهي بتفخيمه، وهو الواو ما أحكامه? وكيف مواقعه? وهل هو على وجه أو وجوه? فبهت متى وقال: هذا نحو، والنحو لم أنظر فيه، لأنه لا حاجة بالمنطقي إليه، وبالنحوي حاجة شديدة إلى المنطق، لأن المنطق يبحث عن المعنى والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مر المنطقي باللفظ فبالعرض، وإن عثر النحوي بالمعنى فبالعرض والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى.

 من كتاب الامتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي

 

Category : reserved to connected users | Write a comment | Print

Comments


| Contact author |
Your Ad Here